نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة مريم

الجزء ١٠ · صفحة ٣٥٢

ولكن الردّ الإلهي جاء مفحما بالأسلوب الحكيم: {اَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)، إذ وضع الخصم بأسلوب الغائب -احتقارا له- وضعه بين احتمالين لا ثالث لهما.

أ) - {اَطَّلَعَ الْغَيْبَ): الاستفهام إنكاري؛ لأنّ مبعث الكلام إمّا ذاتي وهو لا يؤمن بالبعث، أو يكون قد أشرف على علم الغيب فرأى المال والولد حين يأتي يوم القيامة، وذلك مستحيل.

ب) - {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً): أن يكون الله قد عهد إليه بأن يعطيه ذلك يوم القيامة. ويناسب اختيار صفة الرّحمن للوفاء بالعهد: {وَمَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ) (التوبة:111).

ثم هدّد الله هذا القائل بقوله: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ' مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً، وَنَرِثُهُ' مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْداً):

"كَلاَّ" أداة ردع تنفي ما قبلها وتبطله، ثم يأتي ما بعدها دليلا على ذلك الإبطال، وهو ما تهدّد به ذلك القائل، وقد تضمّن التّهديد أربعة أمور:

أ) - {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ): هكذا بضمير العظمة، والكتابة أثبت من القول، حتى تكون حجة عليه يقرأها على صحيفته بنفسه: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء:14). وبما أن عملية الكتابة من طرف الحفظة الكرام الكاتبين هي عملية مستمرة فقد جيء بالفعل المضارع مقترنا بحرف التّنفيس للدّلالة أن ذلك واقع متحقق. وقد أوجز الله مقالة الكافر وهي قوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً).

ب) - {وَنَمُدُّ لَهُ' مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً): والمدّ هنا بمعنى الزّيادة في العذاب، ويتمثل ذلك العذابُ في المراحل التي يمرّ عليها من الموت وعذاب القبر ومن البعث وهول الحشر والحساب ثم جهنم.

٣٬٢٠١ / ٦٬٧٦٧