سورة مريم
الجزء ١٠ · صفحة ٣٥٧فالاستفهام في قوله: {اَلَمْ تَرَ) تعجيبي، والرّؤية علمية يخبر الله بها؛ لأنّه يعلم السّرّ وأخفى، والأزّ هو الهزّ الشّديد والاستفزاز الباطني، وقد تأكّد بالمصدر "أَزّاً" للدّلالة على شدة تمكّن الشّياطين من نفوس الكافرين بحيث تنسدّ أمامهم مسالك الهداية، فلا ينتفعون بالنّصح والإرشاد النّبويّ. على أن الشّياطين مرسلة على جميع النّاس مؤمنهم وكافرهم، كما قدّر الله في حكمته الأزلية أن يجعل النّاس على محكّ الابتلاء والاختبار في الدّنيا، كما أخبر الله بذلك على لسان الشّيطان إذ قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (صّ:82 - 83). فالشّيطان يقوم بدوره في غواية الإنسان، ولكن الله يحفظ العبد الصّالح من مكايده ووسوسته فلا ينال من صلاحه وتقواه، فلا تعجب -أيها الرّسول- من واقع الكافرين، بل هوّن على نفسك، فلله الحكمة البالغة في إمهالهم وهو يسلّي رسوله بقوله: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمُ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً).
وكان الرّسول يتمنّى هلاك أعدائه على عجلة، ولكن الله نهاه أن يتعجّل عليهم العذاب؛ لأن الله وقّت لذلك موعدا لا يخلفه حتى يبلغوا الشّأو الذي قدّر لهم من العناد والضّلال، فكلّ ذلك محصيّ عند الله سوف يجازيهم عليه. وفي اختيار كلمة "العدّ" إيماء إلى قصر المدّة فقيل: إنّ المراد به هو هلاكهم في "بدر" وذلك هو العذاب العاجل، وأما الآجل فقد بيّنه الله بقوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً، لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً).