نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة مريم

الجزء ١٠ · صفحة ٣٥٨

هذه صورة مختصرة من مشاهد القيامة تكمّل ما تقدم عن الكافرين من النّفور والتّضادّ بينهم وبين آلهتهم. فبيّن الله هنا كرامة المؤمنين، وهوان الكافرين. فصوّر المؤمنين في صورة وفد مكرّم يغدون على الرّحمن ركبانا على نوق من الجنة، وقد جرت عادة النّاس أنها تفد على ملوكها وأمرائها في مواكب مزدانة لبسط حاجاتها أو أخذ عطاياها. فعن علي كرّم الله وجهه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقلت: هل الوفد إلا الرّكب؟ فقال: «والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة، عليها رحال الذّهب».(1)

وأما المجرمون فهم على العكس من ذلك يساقون كالأنعام مشاة عطاشا ويسقون من ماء الحميم وبئس الورد المورود.

(لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً): ففي أتون العذاب يطمع المجرم في شفاعة ينالها من مؤيّد أو نصير. ولكن هيهات، فإن الآلهة التي كانوا يستنصرون بها قد تنكرت لهم، فلا تكون الشّفاعة يومئذ عند الله إلا لمن أخذ الإذن، وهم الأنبياء والملائكة.

وقيل: إن الاستثناء متصل يرجع للعباد أو المتقين، فيدخل في من يتخذ عند الرّحمن عهدا من بلغ درجة الإحسان مع الله تعالى فيشفع لجماعات من النّاس كما أورد ذلك القطب رحمه الله في تيسيره إذ قال: "أو العهد: الأمر والإذن، يقال: عهد الأمير إلى فلان بكذا، وهذا نفس العهد، وما قبله من الأوجه تشبيه به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرّجل من أمتي ليشفع في الفيام من النّاس، فيدخلون الجنة بشفاعته وإن الرّجل ليشفع للرّجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته».(2)

(1) 1 - أورده ابن كثير في تفسيره.

(2) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث أبي سعيد الخذري، رقم 10721.

٣٬٢٠٧ / ٦٬٧٦٧