نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة مريم

الجزء ١٠ · صفحة ٣٦١

ثم قال تعالى: (يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً)، يرسم الله لكائناته الضّخمة صورة مرعبة بألفاظ مثيرة كالتفطّر والانشقاق والخرور والهدّ لتعبّر عن هول تلك المقولة الباطلة في حق الله تعالى وعن فظاعتها حتى في تلك الجمادات الضّخمة التي تدين لربوبية الله وتخضع لسلطانه حتى لكأننا في قيام السّاعة مبالغة في التّهويل. ولزيادة التّأكيد والبيان جيء بجملة: (اَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً) فهي لبيان الحيثية والسّبب بتقدير لام الجرّ قبل "اَن" المصدرية. وفي هذا المعنى يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فزعت السّماوات والأرض والجبال وجميع المخلوقات إلا الثّقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة، فاستعرت جهنم، وشاك الشّجر واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: (اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) (الكهف:4).

قلت: ذلك ما تفيده آية سورة الحجّ في قوله تعالى، يبيّن كيف أن المخلوقات كلها تسجد لله خاضعة لسلطانه ما عدا الإنسان قد يتمرّد ويعصي فقال جلّ من قائل: (اَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ' مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج:18).

ثم قال تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَّتَّخِذَ وَلَداً) نفي انبغاء الحدث هو بمعنى: لا يتأتّى ذلك وما يجوز؛ لأنه لا يستقيم مع جلال الله وعظمته، ولأن جميع الموجودات مستوية في الخلق والعبودية له.

كما أكّد ذلك بقوله: (اِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ إِلآَّ ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً، لَّقَدَ اَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً، وَكُلُّهُمُ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً).

٣٬٢١٠ / ٦٬٧٦٧