نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة مريم

الجزء ١٠ · صفحة ٣٦٤

وبمقتضى محبة الله لهم فإنه تعالى يلقي محبتهم في قلوب عباده كما ورد في الحديث القدسيّ: «إذا أحبّ الله عبدا نادى في السّماء إني أحببت فلانا فأحبوه، وينادي جبريل في الأرض: إن الله أحبّ فلانا فأحبوه، ويوضع له القبول في الأرض».(1)

فإذا كانت المودّة الحاصلة بين النّاس لأسباب متعددة كالقرابة أو الصّداقة أو المصالح المتبادلة، فإن هذه المحبة الإيمانية تكون من الله فضلا وتكرّما، فهي أدعى للخير وأقوى في التّعاون والتّناصر. وفي اختيار صفة (الرَّحْمَنُ) للذات العلية ما يؤيّد هذا المعنى. وقد تحقق هذا الوعد الإلهي لأصحاب رسول الله في زمن غير طويل بعد محنتهم في مكة، ولذلك جيء بحرف السّين بدلا من سوف في قوله: (سَيَجْعَلُ) وهو وعد إلهي يشمل صنف المؤمنين الأوفياء في كل زمان ومكان، لأنّها من سنن الله في خلقه.

ثم قال تعالى مخاطبا رسوله لينوّه بشأن القرآن ويبيّن مهمته في البشارة والنّذارة: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً).

وهذه الآية هي حوصلة لموضوع السّورة بكلّ ما ورد فيها من المحاور، سيما في التّقديم للقصص بقوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ) (مريم:16). فجاءت هذه الخاتمة لتبيّن الوظيفة الكبرى للقرآن من البشارة والنّذارة.

صدّرت الآية بأداة الحصر "إِنَّمَا" مقرونة بالفاء الفصيحة مؤذنة بكلام مقدّر هكذا: بشر المتقين وأنذر القوم اللّدّ لأننا يسرّنا لك القرآن.

وتيسير القرآن يتمثل في عدة جوانب:

(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (59) بدء الخلق، باب (6) ذكر الملائكة صلوات الله عليهم، رقم 3209.

٣٬٢١٣ / ٦٬٧٦٧