سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٧٧جاء العطف لبداية القصة بعد ذلك التّمهيد الحكيم بالآيات السّابقة سيما في نفيه تعالى لأيّ شقاء يصيب رسول الله بإنزال القرآن. والجملة المعطوفة مصدّرة بـ"هل" الاستفهامية التي تدلّ على التّقرير تشويقا لما يأتي بعدها من الحديث. وموضوعه هنا يتعلق بقصّة موسى عليه السلام. وبما أن المقصود هو ما يتعلق بأمر الرّسالة، فقد ابتسرت أحداث القصة من أولها وبدأت برحلة موسى من مدين وتوجّهه إلى مصر مع أهله، وقد اشتدت عليهم الظّلمة في ليلة باردة، فأورى مقدحته لإشعال النّار فلم تور شيئا. وذكر الفخر الرّازي في تفسيره أنه ولد له ابن في الطّريق، ولذلك اشتدت حاجته إلى النّار، وقد حاد عن الطّريق.(1)
قال تعالى: (إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّيَ ءَانَسْتُ نَاراً)، وكان من لطف الله بموسى أن أبصر النّار. وفعل "آنَسْتُ" يدلّ على أنه قد أبصر تلك النّار وتحقق منها واطمأنت نفسه لها. وحتى لا يوغلوا في التيه عن الطّريق أمر أهله … أن يمكثوا في مكانهم، فاتجه نحو مكان النّار ليقتبس منها شعلة للتدفئة.
(لَّعَلِّيَ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ اَوَ اَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً): فالنّار إذن إمّا للاستدفاء، وإمّا لطلب مرشد إلى الطّريق. وفي التّعبير بوجود الهدى إشارة إلى ما سيتلقاه من الهداية الرّبانية، وذلك من الإلهام الإلهي لهذا الرّسول الكريم، نطق به قبل أن يتلقى الوحي من ربّه، وقد جاء ذكر تلك النّار في كل من النّمل والقصص فقال تعالى:
أ) - (اِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّيَ ءَانَسْتُ نَاراً سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ اَوْ -اتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (النّمل:7).
(1) 1 - الفخر الرّازي، التفسير الكبير: 22/ 15.