نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٣٧٩

علم موسى أن المتكلم هو الله تعالى فقرّت بلابله، إذ تيقّن أنّه الاصطفاء لأمر عظيم كما قال له: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه:39). وأول أمر وجهه الله إليه في ذلك المشهد العجيب هو أن يخلع نعليه تقديسا لذلك المكان الذي حظي بكلام ربّ العزة، إذ علّل الله ذلك الأمر بقوله: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوى) (طه:12). فإن الأدب الرّباني يقتضي أن تلصق رجليك بتراب الوادي المقدس. ولفظ: "طُوى" اختلف المفسّرون في معناه، ويكادون يتفقون في أحد تلك المعاني بأنه اسم لذلك المكان فيكون بدلا للوادي.

ثم قال تعالى: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)، والاختيار هو تكلف طلب ما هو خير، فهو اصطفاء وانتقاء من الأخيار: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68).

ولا بدّ أن يكون لهذا التّكريم الإلهي أثره البالغ في نفس موسى طمأنينة وجمعا للهمّة في ما يعقبه من الأوامر، وأولاها أن يحسن الاستماع لما يوحى إليه بجميع حواسّه ليعي ما يسمع، وهو قوله تعالى: (إِنَّنِيَ أَنَا اللهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِيَ، إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ اَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُومِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى).

٣٬٢٢٨ / ٦٬٧٦٧