سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٩٤وما أبدع ترتيب الأحداث في هذا المقطع من النصّ، والضّمير فيها يرجع إلى موسى. وجيء بلام الأمر في قوله: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) للدلالة على أن المقدّر لذلك والآمر به هو الله تعالى. والمراد بالسّاحل هو الشّاطئ المعهود لسباحة آل فرعون، وقدّر المولى بحكمته أن يترتب على ذلك أخذ آل فرعون لذلك التّابوت: (يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَّه). وسينتهي ذلك الأخذ للتابوت إلى يد فرعون -سيّد القصر- وهو العدوّ اللّدود لله تعالى بكفره وطغيانه، كما يكون عدوّا لموسى في المستقبل.
ونظير هذه اللّقطة من الحدث قوله تعالى في القصص: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَ اَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً اِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ) (القصص:7 - 8).
وكان من لطف الله أن هيّأ للرضيع المبارك جوّ المحبّة في القصر لينشأ سويّ النّفس كريم الطّبع فقال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ).
وإلقاء الله المحبّة عليه هو قذفها في قلب من يحيط به، بحيث لا يراه أحد إلا أحبّه، وذلك بإرادة الله وقدرته خارجة عن الأسباب الدّاعية للتّحابّ بين الخلق، وقد علمنا أن موسى كان أسمر اللّون، أجعد الشّعر، أقنى الأنف، فقد أزال الله من قلب فرعون تلك الكراهية لذكور بني إسرائيل حتى اعتبرته امرأته قرّة عين لها ولزوجها، فسبحان مقلب القلوب ومدبّر الأمور.