سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٩٥وقوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ)، فالصّنع هنا بمعنى التّربية والرّعاية، وقد تمت لموسى بقدرة الله ممن لا يشفق عليه، فكان منه تعالى ذلك التّدبير الحكيم في إرجاعه إلى أمّه لإرضاعه، ولا أتعب من صنع الإنسان لاستكمال تربيته وتنشئته.
أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي … يبني وينشىء أنفسا وعقولا
فقد تمت تلك الصّنعة الإلهية وفق مألوف البشر وبنفس الأسباب، غير أن وراء ذلك اليد الإلهية الحانية ترعى مراحل تلك التّربية، فإذا بالمخاوف كلّها أمان، وإذا بالقلوب القاسية رحمة وحنان، كما قال أمير الشّعراء:
وإذا العناية لاحظتك عيونها … نمْ، فالمخاوف كلهن أمان
(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَّكْفُلُهُ’ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ):
كان لموسى أخت قامت بدور الرّقيب لمسار التّابوت على صفحة مياه النّيل. ونلاحظ هنا اختصارا لتلك المراقبة كيف تمت، وكيف امتنع موسى عن المراضع اللائي تقدمن إليه في قصر فرعون، وكيف اختار ثدي أمّه. وورد ذلك التّفصيل في سورة القصص إذ قال تعالى: (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلَ اَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ’ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ’ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) (11 - 13).
إذن، كانت أخت موسى حاضرة حين كان فرعون وامرأته يطلبان مرضعا لموسى، فعرضت عليهما المرضعة الأمّ؛ لأنّ موسى كان يرفض المراضع الأخرى، ولكنه قبل ثدي أمّه، فرجعه الله إلى حضنها، فتمت بذلك منّة الله وقرّت عين الأم بوليدها وانتفى عنها كلّ حزن.