سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٢١قال تعالى: (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنَ اَلْقَى، قَالَ بَلَ اَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لاَ تَخَفِ اِنَّكَ أَنتَ الاَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى):
نفس القصة بمشاهدها المثيرة وردت في سورتي الأعراف والشّعراء مع شيء من التّغيير في بعض العبارات. وفي كل مباراة لابدّ أن يبدأ أحد الفريقين، ونلمح لطف الله بعبده موسى إذ ألهم السّحرة لتخييره في مبادأته بإلقاء ما حضّره كل فريق، فنجد موسى في موقف الواثق من نفسه المطمئن لوعد الله، فيعطي إليهم الأولية في الإلقاء، فتراءت حبالهم وعصيّهم لأعين النّاس تتحرك وتركب بعضها بعضا، وليست حركتها حقيقية، بل هي وهْم وخيال بما لطخوها من موادّ تتمدد في حرارة الشّمس كالزئبق ونحوه، وكان منظرها مرعبا في نفوس المشاهدين، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّآ أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (116). والنّصوص في السّور الثّلاثة متكاملة الدّلالة فيما بينها.
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لاَ تَخَفِ اِنَّكَ أَنتَ الاَعْلَى): والإيجاس هو تحرّك الخوف في نفسه دون أن يظهر ذلك على ملامحه. وكان مبعث خوفه أن ينبهر النّاس بما شهدوه من السّحرة، فيتفرقون عنه قبل أن يقوم هو بشيء، إذ كان ينتظر أمر الله له بإلقاء عصاه، فجاء التّثبيت بالتأكيد على أنّه هو المتفوّق المنتصر: (اِنَّكَ أَنتَ الاَعْلَى).