سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٢٢ولا يعاب على موسى مثل هذا الخوف؛ لأنه في موقف جليل يثير الانفعالات البشرية، غير أنّ صلته بربّه كانت وثيقة، فهو إذ يقوم بمهمته يرهف سمعه إلى التّوجيهات الرّبانية تتابعه خطوة فخطوة، فيتلقى الأمر بإلقاء العصا، بنفس الأسلوب الذي تلقاه عند المناجاة بالوادي المقدس: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) وهنا قال له المولى: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُواْ).
إذن، أصبحت للعصا مهمّة لم يكن قد عاينها موسى في الإلقاء التّربّصي الأول، إذ لم يكن هناك ما يبتلعه الثّعبان. وجيء بفعل: (تَلَقَّفْ) للدّلالة على القوة والسّرعة في الابتلاع، وأنها التهمت في لحظات كلّ ما أحضره السّحرة من العصيّ والحبال وما أدخلوا عليها من حيل السّحر، فما قيمة الصّنعة البشرية أمام قدرة الله؟.
ثم يقول المولى: (وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى)، إنّه حكم عامّ بنفي الفلاح عن السّاحر مهما أوتي من قدرة في إتقان هذا الفنّ، وفي أيّ مكان يمارسه فيه، ونفي الفلاح عنه يتعلق بممارسة السّحر لا بغيره من الأعمال، وصدق مولانا العظيم، إذ لا نجد ساحرا واحدا قد أفلح في عمله أو اطمأن في حياته، وقد قال تعالى في سورة البقرة في شأن الملكين هاروت وماروت قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنَ اَحَدٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ) (البقرة:102).
وهكذا قامت معجزة الله لموسى، وانتصر الحق وبطل السّحر والسّاحر كما قال الشّاعر:
إذا جاء موسى وألقى العصا … فقد بطل السّحر والسّاحر
فقد أدرك السّحرة أن ما جاء به موسى فوق طاقة البشر، وأنه من قدرة الخالق جلّ وعلا.