نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٥٦

ثم قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)، أي الإذن من الله بالشّفاعة لمن يرتضيه من عباده، فالشّافعون والمشفوعون لهم من الخلائق كلّها يعلم الله تعالى ظواهرهم وبواطنهم لا تخفى عنه خافية، وقد ينسى النّاس ما قدّموه في دنياهم، ولكن الله تعالى أحصاه في كتاب يلقاه منشورا، بينما علوم الخلائق كلّها لا تحيط بذاته ولا بصفاته.

ثم قال تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً، وَمَنْ يَّعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).

الجملة تكملة لسابقتها في تصوير ما تكون عليه الخلائق من الخضوع والخنوع لعظمة الله، فالأصوات خافتة والوجوه واجمة من هول الموقف، عانية للحيّ القيّوم، فالحياة الحقيقية هي لله تعالى؛ لأنها حياة غير مسبوقة بعدم ولا هي منتهية بفناء وزوال. والقيومية تعني تدبير شؤون الخلق وتصريف أمورهم لا تعتريه تعالى سِنة ولا نوم.

(وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً): الواو للحال، والخيبة هي الفشل الذّريع والخسران، فهي لكلّ من حمل شيئا من الظّلم. وجاء التّعبير بالحمل تشبيها له بالحمل الثّقيل. كما أن التّنكير في لفظ "ظُلْماً" ليشمل كل أنواع الظّلم، وهو درجات أدناها أن تظلم نفسك بأنواع المعاصي، ثم أنت لا تتوب منها، وأعلاها وأفظعها الشّرك بالله. قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13).

٣٬٣٠٥ / ٦٬٧٦٧