سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٥٥إذا كانت التّجمعات البشرية مجالا للجلبة ورفع الأصوات غضبا أو زهوا، فما بالك بذلك التّجمع الرّهيب لكل الخلائق؟، فإنّ الهول العظيم يعقل الألسنة فلا تستطيع رفع أصواتها إلا ما يكون من التّهامس الخفيّ في خشوع لعظمة الله، والكلّ منشغل بما سيكون مصيره، وحتى الأقدام لا يسمع حفيفها لأنّها تمشي هونا على أرض مستوية، وليس من مقرّر هنا يسمع صوته إلا الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ’ قَوْلاً، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً).
وقد اعتاد النّاس في حياتهم أن يستشفعوا لأنفسهم أو لذويهم عند أصحاب السّلطة والجاه، ولكنّهم في ذلك اليوم الرّهيب لا يجدون تلك الشّفاعة عند الله، أي لا يجدون شافعا لهم إلاّ من أذن له الرّحمن أن يشفع ممن رضي أفعالهم وأقوالهم. و"مَن" هو لعموم العقلاء، فيأذن الله لرسول أو نبي أو لمن شاء من المقرّبين إليه من عباده، فقد قيدت الشّفاعة بالإذن والرّضا، ونظير هذه الآية قوله تعالى:
أ) - (مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (البقرة:255).
ب) - (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء:28).
ج) - (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً اِلاَّ مِن بَعْدِ أَنْ يَّاذَنَ اللهُ لِمَنْ يَّشَآءُ وَيَرْضَى) (النّجم:26).
د) - (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلآَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) (النّبأ:38).