سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٤تفرّع عن الوعيد المتقدم بالمعيشة الضّنك في الدّنيا والعذاب المقيم في الأخرى للمعرضين النّاسين المسرفين في الكفر والعناد، تفرّع عن ذلك هنا هذا الاستفهام الإنكاريّ للتّعجيب من غفلة هؤلاء عن مصير الأمم الخوالي، كيف أبادها الله وأهلكها وهم يمشون في أطلال مساكنهم. ثم يبيّن سبب إرجاء العذاب عن مشركي قريش، ويأمر رسوله بحسن الصّبر والمجاهدة والاستعانة بالتّسبيح لله وبالصّلاة حتى تطمئن نفسه وترضى بذكر الله، وهو تعالى كفيل بضمان رزقه وبحسن عاقبته فقال جلّ من قائل: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمَ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لأُولِي النُّهَى).
(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ): الاستفهام إنكاريّ للتعجيب من غفلة أولئك المكذبين برسالة رسول الله، سواء منهم من كان في وقت التّنزيل أو لسائر الأمة التي أرسل إليها رسول الله. والهداية بمعنى الدّلالة والبيان لينظروا كيف كان عاقبة المكذبين من الأمم الخوالي، وقد أبادهم الله، ولم تبق إلا آثارهم بادية للعيان، يمرّون عليها في أسفارهم ولا يعتبرون، مثل ديار عاد وثمود وقوم لوط في جنوب الجزيرة وشمالها، كما قال تعالى مخاطبا قريشا بالخصوص: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاليْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (الصّافات:137 - 138).
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لأُولِي النُّهَى): أي إن أصحاب العقول النيّرة هم الذين يهتدون إلى تلك العبر وينتفعون بما تدلّ عليه من سنن الحياة وأحكام الاجتماع البشريّ كما قال الشّاعر:
تلك آثارنا تدلّ علينا … فانظروا بعدنا إلى الآثار