سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٥واختيار كلمة "النُّهَى" للعقل هنا تعطي معنى زائدا، إذ أنها من النّهي عن الشّيء، فإذا نظرت بعقلك النّاهي إلى آثار من سبقوك واستحضرت وضعية حياتهم في الجبروت والتّرف والخيلاء كيف أصبحت قصورهم أثرا بعد عين، فإنك … -ولا شك- سوف تذكر وتعتبر وتكون متوازنا في حياتك بفضل نظرات عقلك الحصيف. وما أبدع إجلاء المعرّي لهذا المعنى في الاعتبار إذ قال:
صاح، هذي قبورنا تملأ الرّ … حبَ فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطء ما أظن أديم الأ … رض إلا من هذه الأجساد
سر إن اسطعت في الهواء رويدا … لا اختيالا على رفات العباد
وقبيح بنا وإن قدم العهد … هوان الآباء والأجداد
(وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمّىً): تولّد عن التّحذير الوارد في الآية السّابقة من أن يصيب المكذبين برسالة الرّسول ما أصاب من سبقهم بعذاب الاستئصال، تولّد عطف هذه الجملة الشّرطية عليها بأداة "لَوْلاَ" التي تدلّ على امتناع لوجود، فقد يظن القوم أنهم في منعة من ذلك العذاب فأخبرنا ربنا -سبحانه وتعالى- أنه ما منعه أن يفعل ذلك بهم إلا أمران:
أ) - (كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ): أي أنه تعالى تقرّر في علمه الأزلي أن يرفع عذاب الاستئصال عن أمة الرّسول، كما جاء في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال:33). ولبيان حكمة ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»(1)، وذلك ما تحقق في الواقع التّاريخي.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب (59) بدء الخلق، باب (7) إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء، رقم 3231.