نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٧

أما وقد بيّن الله حكمة تأجيل العذاب عنهم، فقد ربط الأمر بالصّبر بـ"فاء" التّفريعية حتى لا يأبه الرّسول بما يقولون، ولا يستعجل عذابَهم. والتّسبيح هو التّنزيه المطلق لله تعالى، ويكون مصحوبا بحمده بكيفية دائمة متتالية في كل الأوقات التي تتوزع على فترات النّهار واللّيل، فيجوز أن يراد بها الصّلوات الخمس بين اللّيل والنّهار كما في قوله: (اَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اليْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء:78). وذلك على اعتبار أن الصّلاة تشتمل على التّسبيح والتّحميد والتّكبير، كما يجوز أن يراد بالسّياق التّسبيح المطلق والحمد. ويلاحظ نوع اهتمام بأوقات اللّيل بتقديم الجار والمجرور: (وَمِنَ -انَاءِىْ اليْلِ) على الفعل: (فَسَبِّحْ)، والرّبط بينهما بالفاء، وذلك لمزيد الاهتمام بهذا الوقت؛ لأنّه مجال للدّعة والسّكون، فيكون أنسب للاتصال بالله ومناجاته.

وقوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضَى) والخطاب لرسول الله، ومن خلاله لكل أمته. فالحصول على الرّضى يكون ذاتيا للمسبّح بما يعود عليه بالنّفع؛ لأنه سوف يحقق بذلك مبتغاه من الاطمئنان النّفسيّ والسّموّ الرّوحي، كما قال رسول الله: «وجعلت قرة عيني في الصّلاة».(1) ولا يكون رضاك الكامل -أيها المؤمن- إلا من رضى الله عليك: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التّوبة:72).

فإنّ كلّ معاناة مهما اشتدت على المؤمن وواجهها بالصّبر واليقين، فإن الفرج القريب يعقبها -لا محالة- وحينئذ يشعر المهموم بالرّضى وتنزاح عن نفسه مشاعر الضّيق والكدر؛ لأنّ الصّبر مفتاح الفرج.

(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث أنس بن مالك، رقم 11845، 11846.

٣٬٣٢٦ / ٦٬٧٦٧