نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٨

وهناك ما قد يسبّب القلق والحيرة في النّفس إذا كان صاحبها ينظر بشره إلى متع غيره ولذاته الدّنيوية وهو محروم منها، إذ اقتضت حكمة الله أن يجعل النّاس متفاوتين في الحظوظ والأرزاق.

وربما يكون الكفار والعصاة -أحيانا- أكثر متعة بزينة الدّنيا، فيجد المؤمنون الفقراء من ذلك شيئا في نفوسهم. ولعلاج ذلك أرشد الله رسوله -وهو قدوة لأمته- أن لا يتطلع إلى ما متع الله به أصنافا من خلقه من زينة الحياة الدّنيا فقال: (وَلاَ تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

جاء الإرشاد بصيغة النّهي المؤكّد، وبتعبير "مدّ العين" الذي يدلّ على إطالة النّظر بدافع التّشهّي والتّعجيب؛ لأنّ مدّ النّظر يقتضي الإمعان في التّأمّل الذي يؤصّل في النّفس ذلك المشتهى، فنهي الله رسوله عن ذلك الالتفات إلى تلك المتع، وشبّهها بالزّهرة في قصر عمرها وبريقها الزّائف؛ لأنّ إضافتها إلى الحياة الدّنيا تحقير لشأنها، وإن ذلك يندرج في الابتلاء والاختبار لأولئك المترفين فيزدادون طغيانا، ويفتنون بما هم فيه. كما قال تعالى عنهم: (اَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) (المؤمنون:55 - 56).

ويقال لمثل هؤلاء يوم القيامة وقد ماتوا على الكفر والفسوق: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) (الاحقاف:20).

٣٬٣٢٧ / ٦٬٧٦٧