نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٨١

(أَوَلَمْ تَاتِهِمْ): قرأ نافع وحفص وابن جماز عن أبي جعفر: (تَاتِهِمْ) بتاء المضارع للمؤنث، وقرأه الباقون بتحتية المذّكر؛ لأن تأنيث البيّنة غير حقيقي.

د) - البيان والتّفسير:

بعد الإرشاد الإلهي لرسوله بالصّبر والصّلاة، وعدم التّطلع إلى ما يتمتع به القوم من نعيم الدّنيا وزخرفها، وأنّ ما أعطاه الله من كفاف الرّزق مع علوّ الذّكر وعظيم الأجر هو خير وأبقى، يعود السّياق هنا إلى التّنويه بشأن القرآن، وأنّه المعجزة الخالدة لرسول الله، وذلك بالتّشنيع على أقاويل الكفار في طلبهم للرّسول الإتيان بحجة حسّية تدلّ على صدقه، ثم بتهديدهم بما ستكون عليه أحوالهم يوم القيامة. فقال جلّ وعلا: (وَقَالُواْ لَوْلاَ يَاتِينَا بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الاُولَى).

(وَقَالُواْ): أي المشركون في معرض التّعنّت والعناد. (لَوْلاَ يَاتِينَا بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ): "لَوْلاَ" هنا لمعنى التّحضيض والطّلب، يأتينا محمد بحجة حسّية تدلّ على صدقه، كما أتى بذلك الأنبياء من قبله كعصا موسى وناقة صالح ومعجزات عيسى.

وقد تعدّدت مثل تلك الطّلبات في القرآن الكريم تتلوها ردود الله بأن ذلك ليست بمهمّة رسول الله، إذ ليس عليه إلا البلاغ المبين لما أوحي إليه، وأن إنزال الآيات هو من خصوصيات الله تعالى لا دخل لرسل الله فيها، إذ ينزّلها متى شاء وفق علمه وحكمته.

وقد يأتي الجواب كما في هذه الآية الكريمة بأن هذا القرآن الذي تحدّى بلاغتكم وفصاحتكم، وهو يخبركم بما كان في الأمم السّابقة مع رسلها، هذا القرآن هو أعظم حجة لما تطلبون، اقتضت حكمة الله أن يكون هو المعجزة الخالدة حتى قيام السّاعة؛ لأنّ المعجزة الحسيّة مهما عظم شأنها فإنها لزمان ومكان معيّنين ثم تنقضي آثارها.

٣٬٣٣٠ / ٦٬٧٦٧