سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ١٦وعلى أيّ حال فهم يشعرون بالحسرة الشّديدة وتوبخهم ضمائرهم بأنهم كانوا ظالمين. ولذا قالوا: (قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}.
وأمام انسداد منافذ النّجاة على الظالمين ينكفئون على أنفسهم حسرة وندما، فيعترفون بظلمهم وينادون لها بالعذاب والهلاك. وأضافوه لأنفسهم: (وَيْلَنَا}؛ لأنهم كانوا سببه، فهم يستحقونه، ولا مناص لهم منه، ولذلك أقروا على ذلك بصريح اللّفظ: (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) بإدخال الكون الذي يدلّ على الاستمرار. (فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ}: الإشارة إلى ما تقدم من قولهم: (يَا وَيْلَنَا}، وسمّيت "دعوى"؛ لأنهم كانوا يدعون بالويل لأنفسهم. و"ما زال" من أفعال الاستمرار، بمعنى أنهم لا ينقطعون عن ترديد تلك الكلمات، وذلك لتمكّن الحسرة والأسى من نفوسهم، حتى لكأن في ترديد تلك الكلمات شفاء لما في صدورهم.
(حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}: و"حتى" للغاية، و"الحصيد" بمعنى المحصود من زرع أو نبات، والخمود هو للنّار ينطفئ لهيبها. فكل من التّشبيهين: بالزّرع المحصود والنّار الخامدة، تصوير لحالتهم قبل الهلاك وبعده. فقد كانوا في ترفهم كالزّرع الأخضر المتمايل على سوقه عجبا وكبرياء، وكالنّار المشبوبة في شدة عدائهم لرسول الله، فأصبحوا بعد الهلاك حطاما ورمادا تذروهما الرّياح. وأسند الجعل لله بما يليق بعظيم سلطانه للدّلالة على القوة والقهر.