سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ١٧ثم قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}، التّنبيه إلى عظمة خلق السّماوات والأرض وما بينهما كثيرا ما يأتي في القرآن مرتبطا ببيان الحكمة في خلق النّاس وتكليفهم؛ لأن هؤلاء يجيئون ويذهبون وتتجدد أجيالهم، ثم لا ينتبه أكثر النّاس إلى الحكمة من وراء ذلك، وكيف جعل الله السّماوات والأرض إطارا زمانيا ومكانيا لتلك الخلائق وسخّرها له حتى يؤدّي مهمته الإستخلافية على الوجه الأكمل، والله يتنزه عن العبث واللّهو، فهو ينفي ذلك عن ذاته العلية.
ففي هذه الآية ينفي اللّعب -أي الفعل الذي لا مقصد له- ويؤكد ذلك في سورة الدّخان فيضيف قوله: (مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ) (39). والحق والعدل الإلهيان يقتضيان أن يجازى النّاس بما عملوا، ولذلك كان الرّبط المتكرر بين خلق السّماوات والأرض وقضية البعث والجزاء كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر:85). وقوله في سورة هود: (وَهُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً) (7).
والنّتيجة الحتمية لذلك الرّبط أن الإنسان مخلوق، سخّر الله له ما في السّماوات وما في الأرض، وأهّله الله بذلك لاستخلافه في الأرض وعمارتها، فلا ينبغي أن يحيد عن أمر الله كفرا أو فسوقا أو عصيانا، وذلك ما تفصح عنه الآية 56 من سورة الذّاريات: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}.