سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ١٨وتوكيدا للمعنى السّابق يقول تعالى: (لَوَ اَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}، فاللّهو: هو الانشغال بعمل لا فائدة فيه. فهذه الفرضية هي جري على مألوف النّاس في الانشغال بما يلهي عن عزائم الأمور. وذلك مستحيل على الله، إذ جيء بحرف: (لَو) الذي يدل على امتناع الشّرط لامتناع الجواب. فهو يفيد النّفي قطعا، واللّهو قد فسّره علماء السّلف بالزّوجة والولد مما يتخذه النّاس في عالم الشّهادة. فيكون المعنى -والله اعلم-: لو أراد الله اللّهو -وحاشاه ذلك- لاتخذ ما يلهو به في أشرف الأماكن من عالم الغيب مما لديه من أشرف الخلق من الملائكة وحور العين، لأن عالم الغيب هو أشدّ اختصاصا بالله، وهذا كقوله تعالى: (لَوَ اَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَّتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الزمر:4).
وقوله: (إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}، لـ"إن" احتمالان:
أ) - أن تكون شرطية: وتفيد الشّك.
ب) - أن تكون نافية: فتكون تأكيدا للنفي السّابق. وذلك أنسب للمعنى.
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}: القذف هو الرّمي بشدة، و (بَلْ) تفيد الإضراب عن اتخاذ اللّهو، والباطل ينتعش ويتعاظم بعض الوقت، ولكن انتعاشه كالهرّ المنتفخ يحاكي صولة الأسد، وهو يعبّر بذلك عن مدى ضعفه وهشاشته أمام صولة الحق. فاستعير للباطل القذف والدّمغ؛ لأن إصابة الدّماغ بضربة قاضية تعني الموت لا محالة.