سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٢١فالضمير يرجع إلى المشركين المتخذين لعدة آلهة شركاء لله، ووصفها بأنها من الأرض تهكّم وتحقير لها، ودليل على فساد في التّصوّر وعفونة في الرّأي، ومحلّ الاستنكار لذلك هو في اتخاذ الشّريك لله لما في ذلك من الظّلم والجحود لفضل المنعم. ثم لكون تلك الآلهة من الأرض ينحتونها بأيديهم ثم يعبدونها، وفي ذلك سفه وضلال كما أنكر ذلك إبراهيم على قومه إذ قال لهم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) (الصّافات:95). وليس لتلك الآلهة قدرة على إحياء الموتى كما هي لله تعالى وحده. وبما أن المشركين لا يعتقدون بالبعث فيأتي ذكر ذلك تهكما بتلك الآلهة، وهو إدماج لقضية البعث، إذ لا يدّعون قدرة آلهتهم على ذلك، وفي ذلك من التّوبيخ ما فيه.
ثم قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ ربِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}: "لَوْ" حرف امتناع لامتناع -كما تقدم-، فالمعنى: امتنع فساد النّظام في السّماء والأرض لامتناع أن يكون فيهما آلهة غير الله. فـ"إلاّ" في الآية لا تفيد الإسثتناء، بل هي بمعنى "غير" وصف لآلهة. وبعيدا عن استدلالات المتكلمين يكون المعنى أنه لو تعددت الآلهة لفسد نظام الكون في أرضه وسمائه؛ لأن التّعدّد يستلزم اتصاف كل واحد منهم بصفات الألوهية من العلم والقدرة والإرادة … إلخ. وذلك يقتضي اختلافهم في التّصرّف فينتج عن ذلك الفساد، والواقع المشاهد من انتظام الكون واستمراره يدلّ على أنه إله واحد غير متعدد.