نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٢٧

ب) - (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}: ونفيا منه تعالى عن الملائكة لكل خصوصيات الرّبوبية مما قد يظنها فيهم من يعبدونهم، فقد ذكر هنا من إحاطة علمه تعالى بشأنهم ما يجعلهم في قبضته وتحت مراقبته كغيرهم من المخلوقات يعلم حاضرهم ومستقبلهم ويتابع أحوالهم بالرّغم مما يتمتعون به من التّكريم والتّفضيل. ولا يكون ذلك شأن من يتخذه الله ولدا. كما لم يترك الله لهم مسألة الشّفاعة يقومون بها لمن أحبّوا. وتخصيص هذه القضية بالذّكر؛ لأنها كانت من أسباب الكفر لكثير من المشركين الذين يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله.

وقضية الشّفاعة عالجتها نصوص أخرى تقدّمت، وورودها في أوصاف الملائكة إنما هي لتيئيس من عبدوهم من دون الله. وزادهم الله تعظيما بقوله: (وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}، والخشية هو الخوف المقرون بالتّعظيم والإجلال للمعبود. والإشفاق هو الخوف مع توقع المحذور، فتكون خشيتهم لله هي علة إشفاقهم، والجملة حالية وجاءت بصيغة الجملة الاسمية لتدلّ على الدوام والاستمرار. والعارفون بالله من البشر قد تتحقق فيهم بعض هذه الصّفات الملائكية، فيكونون هم -أيضا- بتلك المنازل من القربى إلى الله.

وبما أن بعض البشر قد ادّعوا إلاهية الملائكة فإنه تعالى بعد بيان قربهم منه ومنزلتهم عنده، أعقب بهذه الجملة الشّرطية على سبيل الفرض ليبّين أنهم لو انحرفوا عن العقيدة الصّحيحة في الله لنالهم من الجزاء ما ينال كل الظّالمين فقال: (وَمَنْ يَّقُلْ مِنْهُمُ إِنِّيَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَالِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَالِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}.

٣٬٣٦٧ / ٦٬٧٦٧