سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٣٣فالآيتان متكاملتان في المعنى، وإن كانت آيات "فصّلت" أكثر تفصيلا في بيان أطوار خلقة الأرض من انفصالها عن الكتلة الشّمسية، إلى برودة قشرتها الظّاهرة، وتشكل الجبال الرّواسي وما بينها من السّبل والفجاج، ثم تمازج الأكسجين والهيدروجين لتكوين البحار والمحيطات والأنهار، حتى أصبحت الأرض مهادا للإنسان، وموردا لأرزاقه وأقواته بالنّبات والحيوان، إذ كان الماء سبب وجود الحياة.
وفي قوله: (كُلَّ شَيْءٍ حيٍّ) يقتضي وجود الحياة حتى في ما نعتقد أنه جماد، وقد أثبت العلم ذلك فسبحان المدبّر الحكيم.
(اَفَلاَ يُومِنُونَ}: استفهام توبيخ وتلويم للذين كفروا، إذ تعامَوْا عن هذه الحقائق بتعطيل قواهم الفكرية عن النّظر والبحث في تلك الآيات الدّالة على قدرة الله وأنه المدبّر الحكيم؛ لأن الرّؤية العلمية الواعية تدعو إلى الإيمان.
ثم أشار الله إلى ما يرى بالعين والبصر كدليل -أيضا- على قدرته تعالى فقال: (وَجَعَلْنَا فِي الاَرْضِ روَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنَ ايَاتِهَا مُعْرِضُونَ}.
الرّواسي: جمع "راس"، بمعنى: الجبال الثابتة، والجعل: بمعنى الخلق. فالجبال في الأرض هي بمثابة الأوتاد للخيمة تركزها وتثبتها. ولذلك ذكر الله علّة جعل الجبال حتى لا تميد الأرض بما عليها. وكان من رحمة الله بخلقه وإتمام منته عليهم أن جعل لهم في الأرض سبلا تتسع وتضيق، وهم يسلكونها بيسر، إن في المنبسط من الأرض أو حتى في الجبال ذاتها. فعلى كتلتها الضّخمة يجد الإنسان خلالها تلك الفجاج الطّبيعية.