نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٤٤

أمر الله رسوله أن يقرع المشركين بهذا السّؤال التّوبيخي منكرا عليهم جحود نعمة الله عليهم في رعايتهم وحفظهم في كل الأوقات من سخطه وعذابه إن أراد إنزاله بهم، ولكنها رحمته الواسعة وتدبيره الحكيم اقتضى ذلك الإمهال. فكم لله من ألطاف تغمر مخلوقاته، فينجون من مهالك محققة، وقد لا يدركون كيف وقع ذلك، وهذا ما نشاهده اليوم بكثرة في حوادث المرور، فكلاءة الله لنا ليست سلبية في وقايتنا من المعاطب، ولكنها إيجابية في إمدادنا بمقومات الحياة، مما نعرفه وما لا نعرفه. وقد ينسينا الإلف والتّعوّد ما يكون لنا من الله من تلك النّعم. وهؤلاء المشركون موغلون في الجحود والكفران، فهم مستهزئون معرضون عن النّظر في الأدلة.

(أَمْ لَهُمُ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا}: (أَمْ) منقطعة، تكون في معنى الإضراب لزيادة التّقريع والتّوبيخ. والمعنى أن ليس لهم آلهة تمنعهم من بأس الله. فالاستفهام إنكاريّ، ثم وصف الله تلك الآلهة فقال: (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ}: أي أنها لا تملك ضرّا ولا نفعا في نفسها، فكيف تنصر غيرها، وأجرى ضمير العقلاء على الآلهة الباطلة مجاراة لمعتقداتهم فيها.

ثم قال: (وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ) أي لا يكون لهم جوار يحميهم من عذاب الله. وذلك على عادة العرب في طلب الجوار من أحد يصحبه كي يحميه من أذى خصومه، كما أجار المطعم بن عديّ رسول الله عند دخوله مكة عائدا من الطّائف. قال تعالى في هذه العادة العربية: (وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} (التّوبة:6).

ثم بيّن الله تعالى السّبب الذي أدّى بالمشركين إلى التّعنّت والإصرار فقال: … (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلآَءِ وَءَابَاهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ}.

٣٬٣٨٤ / ٦٬٧٦٧