سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٤٥إضراب ثالث للانتقال من غرض إلى غرض، وهو الكشف عن سبب غرورهم، إذ متّعهم الله كما متّع آباءهم، وحسبوه امتدادا لتلك الحظوة، فهم يتقلبون في تلك النّعم فترة من الزّمن طويلة، ظنوها باقية عليهم. وقد امتنّ الله عليهم ببعض تلك النّعم، ولكنّهم لم يدركوا أنّ كلّ ذلك كان فتنة واختبارا لهم. ومن طبع الإنسان أنه يطغى في بحبوحة النّعم إذا افتقد إلى الإيمان بالله المنعِم. وتعظم مصيبة الاختبار والابتلاء إذا تسلسل الكفران والجحود بين الآباء والأبناء.
ثم يقول: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ}: فهم إذ أوغلوا في التّكذيب بنصر رسول الله والمؤمنين معه، علما بأن السّورة مكية. ولم يكن الإذن بالقتال قد قام، غير أن المولى تبارك وتعالى يقرعهم بهذا الاستفهام التعجبي على غفلتهم عن رؤية ما هو واقع من تحقيق سنن الله في أرضه، وبالذّات الأرض العربية التي يعيشون عليها. وإنقاص الأرض من أطرافها هو من إنقاص النّاس إذ يموت من يموت منهم ويدخل الآخرون في الإسلام. أو هو من إنقاص العمران بفتح أرض المشركين ودخولها في حظيرة الإسلام، وإن كان ذلك قد تمّ بعد الهجرة، إذ ليست الرّؤية بصرية بل هي علمية. وقد علموا ما حدث للأمم السّابقة لو كانوا يعتبرون.
ثم قال تعالى بصيغة الاستفهام الإنكاريّ: (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ}، أي ليسوا بغالبين؛ لأن جند الله هم الغالبون. وقد ورد نظير هذه الآية في سورة الرّعد فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا نَاتِي الاَرْضَ نَنقُصُهَا مِنَ اَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (41). وفي الآيتين إيماء إلى الظّاهرة الطّبيعية من تآكل أطراف الأرض بمفعول حركة الأرض والكوارث الطّبيعية. ولكن تلك النّظرية لم يكشفها العلم إلا مؤخّرا، فهي من الإعجاز العلمي في القرآن.