نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٥٧

ويفهم من السّياق أنه قد تمّ ذلك فعلا، إذ أحضروا إبراهيم وسألوه: … (قَالُواْ ءَآنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِئَالِهَتِنَا يَآ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسْأَلُوهُمُ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ}.

كان سؤالهم عن الفاعل من هو؟؛ لأن الفعل مشاهد أمامهم في حطام تلك الأصنام، وقد انصبّ الخطاب على المخاطب مباشرة مع ذكر اسمه لتهويل ما فعل، ولكن إبراهيم كان ثابت الجأش مطمئنا لسداد موقفه، فأتى بأداة الإضراب عن أن يكون هو الفاعل، وأشار إلى الصّنم الكبير في تبكيت وسخرية قائلا: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا}. وفي جوابه تعريض لإلزامهم الحجة على انتفاء ألوهية تلك الأصنام؛ لأنها لم تدافع عن نفسها، فكيف تملك نفعا أو ضرّا لغيرها. ولذلك قال: (فَاسْأَلُوهُمُ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ}، وهم لا يسألونها؛ لأنهم يعرفون أنها لا تنطق، وإنما هو إلزام لهم للاعتراف بتلك الحقيقة.

وفي ظلمات الشّكّ والحيرة، ومع الإرشاد الهادئ، قد تثوب النّفوس إلى رشدها في ومضات، فتستبين نور الحق، ثم لا تلبث أن تلفّها الشّكوك والأوهام مرة أخرى، ذلك هو ما حدث للقوم إذ تنبّهوا لبعض الوقت فنطقوا بالصّواب: (فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمُ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلآَءِ يَنطِقُونَ}.

بمعنى أنهم تلاوموا فيما بينهم بعد تقليب أمر الآلهة في حقيقة ما نطق به إبراهيم، فحكموا على أنفسهم بالظّلم، هكذا بصفة عامّة دون تحديد لنوعية ذلك الظّلم، أهو ظلم بعبادة تلك الآلهة الباطلة، أم لتقصيرهم في حراستها والدّفاع عنها؟.

٣٬٣٩٧ / ٦٬٧٦٧