سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٥٨ولكن سرعان ما انتكسوا إلى ضلالهم القديم، وقد تغلغل في كيانهم، فانطفأت في نفوسهم تلك الومضة من الحق، فإذا هم يعودون إلى المجادلة الباطلة إذ قالوا لإبراهيم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلآَءِ يَنطِقُونَ}، فقد أكّدوا علمه بحقيقة أن تلك الآلهة لا تنطق، معترفين بعجزها، فكيف تثبت لها -إذن- صفة الألوهية؟.
وهذه حجة أخرى تقويّ موقف إبراهيم ليصعّد من لهجته في الإنكار عليهم فقال لهم: (أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمُ، أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
وقد ترتب عن إقرارهم بنفي النّطق عن آلهتهم، ترتب أنها لا تنفع ولا تضرّ، فشدّد إبراهيم من إنكاره عليهم، حتى تأففّ منهم معبّرا عن شدّة النّفور من فعلتهم تلك مؤكدا ذلك بقوله: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، لما في ذلك من التّوبيخ لهم عن تعطيل إدراكهم في ما هو من البديهيات العقلية في التّفريق بين النّافع والضّارّ.
ولكنهم ركبوا رؤوسهم ولجوّا في العناد والطّغيان لإخفات صوت الحق … -شأن الطغاة المستكبرين-، فحرّض بعضهم بعضا متوعدين لإبراهيم: (قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْ ءَالِهَتَكُمُ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الاَخْسَرِينَ}.
ويظهر حمقهم وسفاهتهم في ذلك التّصوّر الفاسد للآلهة، إذ يضفون عليها صفة الحركة والمغالبة، حتى لكأنها تواجه عدوّا عنيدا تحتاج في مقارعته إلى النّصر والتّأييد، فلم يجدوا إلا وسيلة الإحراق لإبراهيم بنار يؤججونها لعدة أيّام، عقوبة له لتكسير آلهتهم، وبذلك يثأرون لها.