نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٨٩

وقوله تعالى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، العطف على وحدانية الأمة يدلّ على وحدانية الرّبّ. ولكلمة: (رَبُّكُمْ) دلالتها في نفوس المخاطبين من إيمانهم بالرّبّ الخالق الرّازق الحافظ لهم. والصّيغة تدلّ على الحصر، فرّع الله عليها الأمر بعبادته دون غيره، إذ العقل يقتضي ذلك، فما يليق بعبد يقرّ بنعم الله عليه، ثم يذهب إلى إله غير الله يعبده ويتقرب إليه، فهذا هو نداء الفطرة يصرخ في الدّماء والعروق، فهل استجاب النّاس كلهم له، فلنسمع الحق سبحانه يقول: (وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ اِلَيْنَا رَاجِعُونَ}.

بعد الحديث عن الرّسل انتقل إلى الحديث عن أحوال أممهم، كيف كانت معهم في حياتهم أو الذين جاؤوا من بعدهم، وأنها حالة التّفرّق والتّمزق، إذ صاروا شيعا متصارعة متناحرة تعددت مشاربها وتنوعت اتجاهاتها، واختيار فعل "التّقطّع" ينمّ عن تشبيه الوحدة الإنسانية بالجسم الواحد في الأصل فتقطعت أوصاله أجزاء متفرقة، ويجوز أن تكون ضمائر الغيبة في هذه الآية راجعة إلى المتحدث عنهم … -وهم المشركون-، وظاهرة التّفرق في الدّين قد ابتليت به كلّ الدّيانات السّماوية المشهورة، أي اليهودية والنّصرانية والإسلام. كما تدلّ على ذلك آيات سورة البقرة في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الذِينَ مِنم بَعْدِهم مِّنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اِخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنَ -امَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (253).

٣٬٤٢٩ / ٦٬٧٦٧