سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٩٠(كُلٌّ اِلَيْنَا رَاجِعُونَ}: أي أن النّاس ابتدأوا أمّة واحدة في الخلق، فهم يعودون إلى الله أمة واحدة في النّهاية. وتقديم الجار والمجرور: (اِلَيْنَا) للدّلالة على الاختصاص، والرّجوع إلى الله يكون للمحاسبة والجزاء، ولذلك جاء هذا التّفريع بقوله تعالى: (فَمَنْ يَّعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}.
الرّبط بالفاء يفصح على أن الجزاء على الأعمال يترتب على ذلك الرّجوع إلى الله، وقد بدأ بجزاء الحسنى للمؤمنين اهتماما به وتنويها بالإيمان والعمل الصّالح، والآية تقرّر أصلا من أصول الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، وهو ما لا خلاف فيه. ونلاحظ ذلك الرّبط المحكم بين العمل الصّالح والإيمان، إذ لا سلامة للأعمال إلا بأن تكون خالصة لوجه الله، وذلك يقتضي تمام الإيمان بالأصول العقدية في الإسلام. وقيل عن: (مِنَ) أنها للتبعيض، فحسب المؤمن أن يأتي بما يستطيعه من الأعمال الصّالحة إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وقوله: (فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}، فاختيار نفي الجنس يدلّ على استحالة ذلك من الله تعالى، فليس من شأنه تعالى أن ينحبس حقّ أحد في الجزاء إن خيرا أو شرّا كما قال: (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ) (آل عمران:115). وقد بيّن أن الأعمال كلها محصية في كتاب لا يضل ربّي ولا ينسى. وجاء التّعبير بـ"الكتابة"؛ لأنها أعظم وسيلة للتدوين والضّبط في عرفنا، وإلا فإنه تعالى عليم بسعينا خيره وشرّه، لا يحتاج إلى تقييد ولا كتابة، وإنما تكون صحائف أعمالنا شواهد علينا حين يقال لكلّ عبد منا: (اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء:14).