نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ١٠٣

(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ}: تهديد للمشركين في ما كانوا يواجهون به رسول الله وأصحابه من سوء الأقوال في السّرّ والعلانية، فسواء عند الله أسرّوا القول أم جهروا به فإن الله يعلم السّرّ وأخفى، فسيحاسبهم على ذلك. والملاحظ أنه لم يرد ذكر للأفعال الماكرة؛ لأنها أظهر للعيان، فالحساب عليها أولى.

وبما أن المشركين قد يغرّهم الإمهال من نزول العذاب عليهم كما يغرّهم تباطؤ قيام السّاعة فقال تعالى على لسان نبيئه: (وَإِنَ اَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ اِلَى حِينٍ}، أي إياكم -أيها المعرضون- أن تغتروا بذلك الإمهال، فلعلّ ذلك التّأخير يكون فتنة لكم، فتتمادون على التّكذيب والإعراض، حتى تضطرب أحوالكم وتحرمون من ذلك المتاع؛ لأنه محدّد زائل.

ثم يأتي ختام السّورة بأسلوب الدّعاء، إذ أمر الله رسوله أن يلتجئ إليه مستعينا به ليحكم بالحقّ بينه وبين قومه، حتى تكون عاقبة هذا الدّين فتحا ونصرا كما دعا بذلك الرّسل السّابقون، فقال الرّسول: (قُل رَّبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}.

وهكذا يواجه قومه متحديا بتفويضه الأمر إلى الله. ويلاحظ إشراك المسلمين معه في الدّعاء باختيار ضمير المتكلمين: (رَبُّنَا}، وإضافة وصف: (الرَّحْمَنُ) لإثبات هذه الصّفة للذات العلية؛ لأن المشركين كانوا ينكرونها، والتّعبير يفيد القصر، أي لا نستعين بغيره.

و (مَا تَصِفُونَ}: هو ما كان يصدر منهم من الأقوال البذيئة لإذاية الرّسول وأصحابه. وبنفس الدّعاء دعا رسل الله جميعهم إذ قالوا: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89). ونحن بدورنا ندعوه تعالى أن يفتح بيننا وبين كل من أذانا وأساء إلينا بالحق، وهو خير الفاتحين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

تمت

٣٬٤٤٣ / ٦٬٧٦٧