سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١١٠ج) - (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}: وتشبيه النّاس بالسّكارى لذهولهم عن أنفسهم، حتى لكأنهم على غير وعي مما هم فيه، كما يفعل السّكر بالمخمور، وما شرب النّاس خمرة يومئذ، ولكنهم يفقدون توازنهم من شدة الهول. والتّعليل بشدة عذاب الله له إيحاءاته في مثل ذلك الموقف الذي هو مجرّد مقدمات لما يستقبلونه من عذاب حسيّ كانوا ينكرونه أو يشكون فيه، ممن يقول الله في شأنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذَابِ السَّعِيرِ}.
على هذا الإنذار الإلهي من هول السّاعة، يجادل بعض النّاس في الله، أي يجادلون في ذاته أو في صفاته العلية، سيما في قدرته على البعث وفي علمه وحكمته في إنزال الكتب وإرسال الرّسل. وكثيرا ما تغمط الحقائق وتضيع في ضوضاء الجدل العقيم، وكان مشركو مكة يتلقون بذلك ما يجيء به محمد من حقائق الوحي في عناد ولجاجة، وأكثرهم جدلا في ذلك النّضر بن الحارث، فهو النّموذج الأسوأ لهذا الصّنف من النّاس في كلّ زمان ومكان. ولا يكون جدلهم قائما على الحقّ والإنصاف وقرع الحجة بالحجة، فهو جدل تقليدي لا يسنده علم ولا دراية بحقائق الأشياء؛ لأنه ليس كلّ جدل عقيما، بل هناك من الجدل المنظّم الهادف ما تدعو إليه الحاجة في طريق الدّعوة إلى الله أو الإصلاح بين النّاس؛ لأنه تعالى يرشد رسوله إلى ذلك فيقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النّحل:125).