سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٢٣لقد حكم الله بالخسران المبين على هؤلاء المتردّدين المنافقين، وأيّ خسران هو أشدّ وأبين لكل متأمل ممن خسر دنياه وآخرته؛ لأن الخسارة تتفاوت درجاتها في تقييم النّاس، ولذلك جاء وصف: "المبين" مع ضمير الفصل ليؤكد فداحة تلك الخسارة، وأنها في الدّرجات القصوى، ولذلك اعتبر الله هذا الصّنف في صفّ عبدة الأوثان فقال جلّ من قائل: (يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذَالِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِيسَ الْمَوْلى وَلَبِيسَ الْعَشِيرُ}.
ليس لمن أعرض عن عبادة الله وانقلب على وجهه إلاّ الارتداد لعبادة من لا ينفع ولا يضرّ؛ لأن الإنسان من طبعه الهلع والفزع كما وصفه الله، فهو يلتجئ إلى من يعتقد فيه الأمن والنّجاة، ولا يطلب ذلك إلا في كنف الله تعالى، أما الآلهة الباطلة فإنها لا تنفعك إذا عبدتها ولا تضرّك إذا انصرفت عنها، وقدّم الضّرّ على النّفع في الآية لأنه أدعى إلى الالتجاء والاستغاثة، وكل دعاء لغير الله في طلب ذلك هو الضّلال البعيد، أي البالغ أقصى المدى في الشّقاوة: (يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِيسَ الْمَوْلى وَلَبِيسَ الْعَشِيرُ}.
وبما أن مظاهر الشّرك متنوّعة، تفنّن فيها البشر، ما بين اتخاذ الآلهة من جمادات، أو من الأحياء، وفي الأحياء عقلاء، وغير العقلاء. فيلاحظ في قوله تعالى: (يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ) يلاحظ الإتيان بـ"ما" لغير العقلاء، أما في قوله: (يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِيسَ الْمَوْلى وَلَبِيسَ الْعَشِيرُ) فجيء بـ"مَن" للعقلاء مقرونة بلام الابتداء التي تفيد التّوكيد. وفعل التّفضيل: (أَقْرَبُ) يفيد حصول بعض النّفع من أولئك المدعوّين من دون الله، ولكن هم أقرب إلى الضّرّ منهم إلى النّفع، فمن يكون هؤلاء المدعوّون من دون الله؟.