سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٤٨قلت: وقد يراد بها ما هو أعمّ من الهدي، أي كل ما أمر الله به من أمور الحجّ، كقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ) (البقرة:158). غير أن قوله تعالى في ما بعد: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُّسَمًّى) يرجّح القول الأول، فتكون الشّعائر أخصّ من حرمات الله، وجيء بالعطف للعناية والاهتمام، وتعظيمها يكون بالتّقرب بها لوجه الله، واستشعار كرمه ورحمته بضيوفه وهم يزورون بيته، حيث يستوي الفقير والغني، مع استحضار محبة الله في ذلك، ولا تتمّ إلا بما يكون في قلب العبد من الخشية والتّقى لربّه، وذلك هو لبّ المعنى في إضافة التّقوى إلى القلوب. وقد قال رسول الله: «التّقوى هاهنا، وأشار إلى قلبه الكريم».(1) وروح التّقوى هي أن تؤدّي ما كلفك الله به عن حبّ وشغف وإجلال.
(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلىَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}: الجملة حالية للشّعائر على أنها البدن المهداة إلى البيت، والخطاب موجّه للمؤمنين، ولا يخفى ما في تلك الأنعام من المنافع المادية أكلا وشربا ولباسا، ما دامت في أيديكم حتى يحين وقت ذبحها للنّسك، فإذا حملنا مناسك الحجّ على نسك الهدي، يكون "ثُمَّ" للتّراخي الرّتبي، أي بعد المنافع الدّنيوية في الشّعائر المعلمة للذبح تكون لكم إلى أجل مسمّى، تأتي المنافع الدّينية من الأجر والثّواب بعد ذبحها الذي ينتهي إلى البيت العتيق، والمقصود فجاج "منى" وفجاج "مكة"، كما ثبت ذلك في الحديث.
أما على حمل الشّعائر لأعمال الحجّ كلها فيفسّره قوله تعالى: (لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ) مادية ومعنوية -كما تقدم-، ويكون انتهاؤها إلى الكعبة بطواف الزّيارة.
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب البر والآداب والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، رقم 6706.