نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٥٢

بعد بيان حكمة الله تعالى في جعله لكلّ أمّة منسكا، وبعد التّحريض على التّقرّب إلى الله بالأنعام وتعظيم شعائر الله، خصّ بالذّكر هنا البدن على اعتبارها من الشّعائر التي يتقرب بها إلى الله، وأنها أفضل ما يهدى إليه ويذكر اسم الله عليها فقال جلّ من قائل: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَآئِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

الجملة معطوفة على قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا) خصّ الله البدن بالذّكر لما لَها من المنافع الكثيرة حيّة أو مذبوحة، واعتبارها من شعائر الله تندرج به في أعظم ما يتقرب به إلى الله ويهدى إلى بيته الحرام، فلا تكون هزيلة ولا مريضة، وكان العرب يعتبرون حمر النّعم من كرائم أموالهم، ووفرتها عندهم من معايير الغنى والسّؤدد، وقد عدّها الله في جملة الحرمات، إذ هي مظهر حسّي تكون معلَمة للهدْي، ففي نحرها على ذكر اسم الله تعبير على استشعار عظمة الله والالتزام بأوامره في قوله تعالى ممتنا على رسوله: (إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرِ، اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَبْتَرُ) (الكوثر:1 - 3). فهي خير لنا وبركة حيّة أو منحورة فهي للمُهدين بها شبع ومتاع في الدّنيا، وثواب وأجر في الآخرة، وهي للفقراء سدّ لحاجاتهم وتطييب لنفوسهم.

وقد فرّع الله على تقرير خيريتها أن أمر بذكر اسمه عليها إذا اصطُفت للذّبح، وهي تنحر تباعا قائمة على أرجلها الثّلاثة، كما فعل رسول الله في حجة الوداع، إذ أهدى مائة، نحر منها بيده الشّريفة ثلاثا وستين، على قدر سنوات عمره يومئذ، ثم كلف الإمام عليّ كرّم الله وجهه بنحر الباقي.

٣٬٤٩٢ / ٦٬٧٦٧