نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٥٣

(فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}: يلاحظ كيف ركّز الله تعالى على ذكر اسمه في إنجاز هذه الشّعيرة، إذ كرّر ذلك ثلاث مرّات، وذلك لتمكين ذلك من قلوب المؤمنين قطعا لدابر العادة الجاهلية في الذّبح لغير الله.

(وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}: بمعنى سقطت إلى الأرض، ويلاحظ أن البعير المذبوح سرعان ما يسقط إلى الأرض بعدما يسيل دمه بغزارة، ولذلك يجب المبادرة إلى الانتفاع بها بالأكل والتّصدّق. والأمر في: (فَكُلُواْ مِنْهَا) يحتمل الوجوب أو الإباحة أو النّدب، ولذلك اختلف العلماء في ذلك. يقول الشّيخ الإمام في ذلك: "وللفقهاء كلام طويل في الضّحية والهدي، وفي الهدْي الواجب وهدي التّطوّع، وأكثر العلماء على أن الهدي الواجب كهدي التّمتع لا يأكل منه صاحبه؛ لأنه يعطى حكم الكفارة، أما إذا كان ضحية أو كان هدي تطوّع، أي لم يجب بتقصير في منسك من مناسك الحجّ مما يجبر بالدّم، فلصاحبه أن يأكل منه ويتصدق".(1)

قلت: إن التّيسير على الحاج أن نعتبر الأمر للإباحة أو النّدب، وذلك لرفع التّحرّج الذي كان عليه الجاهليون، إذ كانوا لا يأكلون من الهدايا، وأما إطعام القانع والمعترّ فهو على خلاف بين العلماء بين الوجوب والنّدب.

(كَذَالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: وقد تكرّر -أيضا- فعل التّسخير امتنانا من الله علينا، إذ جعلها ذلولة منقادة لنا على عظمتها وقوتها، وتلك نعمة جليلة تستحق الشّكر لمسخّرها لكم، بأن تتقربوا بها إليه في إخلاص وإجلال. ومعنى: (لَعَلَّكُمْ) بمعنى "كي" للتعليل.

(1) 1 - إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن: 4/ 457 - 458.

٣٬٤٩٣ / ٦٬٧٦٧