نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٦٠

الدّار والوطن حقّ فطريّ ثابت لكلّ إنسان، لا يطرد منه إلا بموجب مشروع، وقد خرج الرّسول وأصحابه تاركين أوطانهم مكرهين تحت وطأة الظّلم والعدوان، حتى أنّ الرّسول عندما خرج من مكّة مهاجرا نظر إليها وقال: «والله إنّك لأحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت».(1) فما هو موجب إخراجهم؟. إنما هو البغي والعدوان، فلا مبّرر له من حقّ مشروع يستند إليه، فأكّد الله ذلك بأسلوب بديع، أي بتأكيد المدح بما يشبه الذّم، فقال: (اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللهُ}، أي من أجل تلك الكلمة وحدها كان إخراجهم، وهي أصدق كلمة تقال، فإنّ إيمانهم بربّهم هو حقّ لهم لا يضرّ بغيرهم، ومنعهم من ذلك الحقّ هو ظلم صراح وطغيان تجب مدافعته، وإلاّ لعمّ الشّرّ والفساد، وهلكت البلاد والعباد، فقال تعالى: (وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

قد تغيب عن الأذهان حكمة مشروعية الإذن بالقتال للمظلومين المضطهدين، فيلتبس عليهم الأمر بالنّسبة إلى الإسلام بأنه دين انتشر بحدّ السّيف، أو أنه دين يتسم بالعنف والإرهاب -كما يدّعي أعداؤه اليوم-. ولبيان الحكمة في هذا المجال تجيء هذه الجملة لتبيّن سنة من سنن الله في خلقه، وأنه قضى أن يفتن النّاس بعضهم ببعض، وفيهم جنود لله ينصرون الحق ويرفعون لواء الإيمان، وفيهم جنود لإبليس يروّجون للشرّ والباطل، ويلجّون في الكفر والطّغيان، فلا مناص من المواجهة بين الفريقين. ولذلك جيء بلفظ "النّاس" عامّة يكونون في معركة يعتورهم فيها النّصر والهزيمة.

(1) 1 - رواه الترمذي من حديث ابن عباس، كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل مكة، رقم 3926. ورواه أحمد في المسند بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، رقم 18739: 4/ 305.

٣٬٥٠٠ / ٦٬٧٦٧