سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٧٣ثم قال الإمام: "وقالوا: زاد النّبي غمّا أكثر بقول جبريل: أنا لم آتك بهذا"، فصحّحت الآية وأسقط ما زاد الشّيطان، ثم أنزل الله تعالى تسلية لنبيه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
ثم قال الشّيخ معلّقا: "أنظروا إلى هذا الخراف الصراح، نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويعفو عنا حكايتها، وإن كان حاكي الكفر ليس بكافر".(1)
قلت: ونحن بدورنا نستغفر الله تعالى على ذكرها هنا، فكل المفسّرين قد تعرّضوا لها اختصارا أو إطنابا ردّا للمطاعن والشّبهات، وكلهم مجمعون على أنها روايات باطلة، ثم ردّوا عليها بالقرآن والسّنة والمعقول.
وفي كلا الاحتمالين لمعنى "تمنّى"، فإن تفسير الآية يستقيم ويتجلّى لكل ذي فهم سليم.
أ) - فعلى المعنى المشهور للتمنّي بمعنى الرّغبة في حصول الشّيء يكون التّفسير للآية على النحو التّالي: لا شك أن كل نبيّ تنصبّ أمانيه النّفسية إلى هدى قومه واستجابتهم لدعوة الحق، وقد اشتهر رسول الله بذلك حتى كان يغتمّ ويحزن لإعراض قومه، والله يعاتبه -أحيانا- على ذلك في كثير من الآيات. وفي تلك الحالة النّفسية العصيبة، قد يلقي الشّيطان في نفسه بعض الخواطر البشرية مما من شأنه أن يستميل به قلوب أولئك المعاندين، أو أنه يخامره الظّن أن يكون مقصّرا في دعوته، أو أن يكفّ عن دعوتهم جنوحا إلى اليأس من إيمانهم. إلى غير ذلك مما لا يقدح في عصمة الأنبياء، فلا تلبث تلك الخواطر أن تزول وتنفسخ بتثبيت الله لرسوله وإحكام آياته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
(1) 1 - إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن: 4/ 518.