سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٧٨بما أن الكفر أنواع، فقد عدّد الله ذكر الكافرين في ما سبق، فذكر فتنتهم بما يلقي الشّيطان، وذكر القاسية قلوبهم. وفي هذه الآية ذكر الكافرين بالقرآن، وكيف يكونون في شكّ منه على وضوح بيانه وقيام أدلته وبراهينه ثم عجزهم أمام تحدّيه، وبالتّالي فهم مستمرّون في مشاققة الرّسول ومنابذة الإسلام حتى تفاجئهم السّاعة، أو يحلّ بهم عذاب مقيم، فقال جلّ من قائل: (وَلاَ يَزَالُ الذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً اَوْ يَاتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}.
وهكذا القلوب الخاوية تكون مرتعا للشّيطان ووساوسه، فلا تطمئن لحقيقة مهما اتضحت أدلتها، ذلك هو شأن الذين كفروا مع القرآن يخصّهم الله بالذّكر في هذه الآية بعد بيان موقفهم مما يلقيه الشّيطان، إذ يبقى الشّك والارتياب دأبهم، فلا مطمع في إذعانهم إلى الحق، بل لا يزيدهم القرآن إلا رجسا على رجسهم ويستمرّون على ذلك حتى يفاجئهم الموت، كما قال تعالى في سورة التّوبة: (وَأَمَّا الذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (125). وقد جعل الله انتهاء شكهم أحد أمرين:
أ) - (حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}: أي عندما تقوم القيامة ويفنى الكون فلات حين مناص.
ب) - (اَوْ يَاتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}: فـ"أوْ" تقتضي المغايرة، فهو ليس بيوم القيامة، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين، وقد شاع عند العرب إطلاق اسم "يَوْم" على وقت الحرب، وقد وصفه بالعقم، أي لا يكون يوم بعده لشدة هوله وشؤمه.
وذكر بعض المفسّرين "يوم بدر" على أن المقصود بالكافرين مشركو قريش، ولكن لا لزوم لحصره في يوم بدر، فكم للكافرين من أيام مشؤومة في حروب المسلمين. وسنّة الحياة لا تتخلّف في الصّراع والكفاح.