سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٨٨وقوله: (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، وإن كان ذلك من جملة التّسخير، فإنّ جريان الفلك على صفحة الماء في البحر بما قد يكون عليه من الهول والاضطراب له خصوصية تسترعي الانتباه وتدعو لتعظيم الخالق الذي ألهم سيدنا نوحا إلى صناعة الفلك وتسييرها على الماء، ثم ما تتابع من بعد ذلك من التفنن في تلك الصّناعة، وكيف اتصلت القارات ببعضها البعض اليوم، وقد جعل الله الفلك الجارية من آيات قدرته ومظاهر نعمه إذ قال تعالى: (وَمِنَ -ايَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالاَعْلاَمِ) (الشّورى:32).
وقوله: (وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ ان تَقَعَ عَلَى الاَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}، أي: ومن تمام نعمته عليكم ومن أعظم تسخيرها لكم ذلك الإمساك للسّماء بغير عمد، إذ نراها فوقنا مشدودة كواكبها في مداراتها بتوازن دقيق لا يصطدم أحدها بالأخرى، وهي أعظم وأضخم من الأرض. قد يقول لنا علماء الفلك بأن ذلك قد تمّ بقانون الجاذبية. نعم، ولكن من وضع ذلك القانون وغيره من القوانين الطبيعية التي تنظّم شؤون الكون، حتى يعيش النّاس في أمن واطمئنان، إلى أن يأذن الله بفساد نظام الكون فيومئذ تقع الواقعة.
(إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: فبرأفته تعالى بنا تنجلي عنا الضّوائق وتذهب المشقّة والعنت، وبرحمته تغمرنا نعمه ويعفو عن سيئاتنا.