نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٨٧

(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}: جاءت هذه الآية بعد بيان تلك النّعم التي بسطها علينا، والدّالة على عظيم قدرته، جاءت للتّنبيه على اختصاصه بالخالقية والملك، وذلك يقتضي اختصاصه بالمعبودية؛ لأن ما ذكره من إنزال المطر واخضرار الأرض ما هو إلا جزء من بديع صنعه في السّماوات والأرض مما لا ندركه بأبصارنا في فضاء الكون الواسع، سخّر كلّ ذلك لخلقه وهو الغنيّ عنهم، والكلّ محتاج إليه. على عكس تلك الآلهة الباطلة، إذ هي محتاجة إلى من يصنعها ويردّ عنها غوائل الزّمن، و"الحميد" بمعنى المحمود، تحمده الخلائق لفيض نعمه عليها، وقد تأكد الوصفان بـ"إن" وبـ"اللاّم" وضمير الفصل وبتعريف الطّرفين، ليدلّ ذلك على القصر والاختصاص.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الاَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ ان تَقَعَ عَلَى الاَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}:

يذكّرنا المولى في هذه الآية بما ملّكنا إياه من الانتفاع بخيرات الأرض بعد الإقرار بملكيته لها، وتسخير كلّ ما في الأرض لنا يشمل كل الخيرات التي على ظاهرها والكنوز التي في باطنها. ومعنى التّسخير هو تسهيل الانتفاع، كما قال تعالى في سورة الملك: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (15). ومن آيات ذلك التّسخير ما زوّد الله به الإنسان من الحواسّ والجوارح، ومن العقل والتّفكير، للاكتشاف والاختراع، للتغلّب على كلّ الصّعوبات، حتى انتهت الحضارات الإنسانية إلى ما هي عليه اليوم من الرّقيّ والتّمدنّ.

٣٬٥٢٧ / ٦٬٧٦٧