سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٩١تقدم نظير هذه الآية في السّورة الكريمة بقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) (الحج:34)، أي من رحمته تعالى أن جعل لكلّ طائفة أو مجموعة بشرية نبيا خاصّا بها، وشرّع من الأحكام ما يناسب ظروفها الزّمانية والمكانية هم عاملون بها منهجا لحياتهم، وإن كان جوهر الدّين واحدا في الأصول العقدية وفي الأخلاق الحميدة، وقد جئت -أيها الرّسول- بالشّريعة الخاتمة المهيمنة، فلا ينازعنك معارضوك في أمر الدّين بعد شهادة الملل كلّها أنّك جئت مصدّقا لما معها من توحيد الله والدّعوة إلى مكارم الأخلاق. وكأنه تعالى يريد أن يطمئن رسوله حتى لا يلتفت إلى منازعة خصومه فقال له: (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ}، ذلك لأنّ منشأ تلك المنازعة هي اعتقاد كل من اليهود والنّصارى أنهم على دين سماويّ، اليهودية والنّصرانية، ولكل منهما كتاب جاء به رسول من عند الله. كما أن مشركي مكة يعتقدون أنهم على ملّة أبيهم إبراهيم، وبالتّالي فإن الجميع لا يحتاج إلى دين جديد. ولكنهم لم يدركوا أن الله قد نسخ بالدّين الخاتم جميع الدّيانات المتقدمة، فهم ملزمون باتّباع الدّين الجديد، على أنهم لو لم يحرّفوا كلام الله في التّوراة والإنجيل لاتبعوا الرّسول محمدا في ما جاء به، كما قال عليه السلام: «لو كان موسى بن عمران حيّا ما وسعه إلا اتّباعي»(1)، أو كما قال، ولكن الأتباع الضّالين أصرّوا على اتّباع ملتهم على ما وقع فيها من تحريف وتبديل، وهم مع ذلك ينازعون الرّسول في دعوته، حسدا من عند أنفسهم. فأمر الله رسوله أن يترك منازعتهم ويمضي في دعوته غير ملتفت إليهم.
(1) 1 - أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن. تح: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، 1423ه/ 2003م: 16/ 355.