سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٩٥بعد أن أخبر الله بأنه يحكم بالعدل ويفصل بين المتخالفين يوم القيامة، وأنه العليم المحيط بكلّ شيء، بيّن هنا أن عبادة المشركين لغير الله لا يقوم على دليل نقليّ ولا عقلي، فهم متمادون في ظلمهم وعنادهم بحيث أنهم إذا أرشدوا إلى الحق وتلي عليهم القرآن ثارت حفيظتهم واستشاطوا غيظا، ويكادون يبطشون بمن يذكّرهم، وقد توعّدهم الله بالنّار التي هي شرّ عليهم من ذلك الغيظ فقال: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
الجملة معطوفة على ما سبق عطف غرض على عرض والضّمير فيها عائد إلى المشركين. وجيء بفعل: (يَعْبُدُونَ) بصيغة المضارع ليدلّ على التّجدّد والاستمرار في كفرهم. ولما كانت العبادة في مفهومها هي الطّاعة للمعبود في حبّ وإجلال، وذلك لا يكون لغير الله ذي الجلال، كان هؤلاء المشركون قد سيطرت عليهم الأوهام والتّصورات الباطلة مع سوء التّقليد فعبدوا غير الله بما لم تقم عليه حجة من دليل نقليّ أو عقليّ.
أ) - والدّليل النّقلي: هو ما نزل من عند الله على ألسنة رسله، وعبّر عنها بـ"السّلطان" لما يكون لها من التّأثير القويّ في النّفوس، ولا يدّعي أحد المشركين أن نبيّا أمر بعبادة الأصنام، وإنما هو التّقليد الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم.
ب) - والدّليل العقلي: هو ما يرشد إليه العقل بالنّظر والاستنباط؛ لأن هؤلاء عقولهم خاوية وأفئدتهم هواء أعماهم التّقليد وسيطرت عليهم الخرافات، فعبادتهم لا تقوم على معتقد صحيح ثابت، فهو باطل لا قيمة له، وبالتّالي فهم بعملهم هذا ظالمون. والإظهار في مقام الإضمار لإفادة أن الظّلم هو سبب حرمانهم من النّصير حين ينزل عليهم عذاب الله في الدّنيا والآخرة؛ لأنهم في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة يستنصرون بها، فجازاهم الله بعكس المقصود.