سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ٢٠٠(اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}: الحديث عن الألوهية الحقّّة وما ينبغي لها من صفات الكمال المطلق يتدرج في الأمور الغيبية، والمدارك البشرية قد تقصر عن استيعاب تلك الحقائق الغيبية المجرّدة في ما يجب أن نعتقده في ذات واجب الوجود، فمن رحمته تعالى أن لا يتركنا حيارى، إذ بعث إلينا رسلا مبشرين ومنذرين، والإيمان بهم هو الرّكيزة الثانية في العقيدة بعد الإيمان بالله.
وبما أن المشركين كذّبوا برسول الله لإحالتهم أن يكون الرّسول بشرا، وقد نعى الله عليهم ذلك خلال السّورة، ناسب أن يذكر في ختامها أنه تعالى يختار من خلقه من يشاء للتبليغ من الأعلى إلى الأدنى، فاختار من الملائكة رسلا إلى أنبيائه ورسله من البشر كجبريل عليه السلام، كما اختار من البشر رسلا يبلغون هداه لخلقه بنزاهة وإخلاص.
وخصوصية الاختيار هي لله وحده كخصوصية الخلق فهو السّميع البصير بأفعال عباده والعليم بجميع الأشياء. وقد أقام الحجة بآياته البيّنات على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.
ثم أكد الله إحاطة علمه بقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلىَ اللهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ}، وكتقرير لمضمون جملة: (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يبيّن تعالى علمه الشّامل المحيط في مراقبة شؤون خلقه، فلا تخفى عنه خافية من سرّهم وعلانيتهم.
فقوله تعالى: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) يرجع الضّمير فيه إما إلى المشركين كما ورد ذكرهم في السّياق، وإمّا إلى الملائكة والنّاس -وهم أقرب مذكور-، ومرجع الجميع في النّهاية يكون إلى الله وحده، وهي مرجعية المحاسبة والمجازاة يوم القيامة. فليفعل الإنسان ما يشاء في الدّنيا، فالله يمهل له، ولكن لا يهمله، وفي هذا التّعقيب إنذار يناسب ما تقدم من موقف المشركين أزاء دعوة الرّسول، والله أعلم.