نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المؤمنون

الجزء ١١ · صفحة ٢١١

ب) - (وَالذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}: اللَّغْوِ: كلّ كلام باطل مما لا فائدة فيه، وتقديم الجار والمجرور عن عامله لإفادة الاهتمام، والإعراض هو الصّدّ وترك الإقبال على الشّيء. ومن حسن النّظم في آيات القرآن الكريم أن تعقّب صفة الإعراض عن اللّغو الخشوع في الصّلاة، حتى يبتعد القلب عن كلّ ما يشغله عن ذكر الله، وإن كان الإعراض عن اللّغو ليس مقصورا على وقت الصّلاة، بل يجب أن يتّسم بذلك سلوك المؤمن، وهو مقبل على شؤونه الدّينية والدّنيوية؛ لأنّ اعتياد اللّغو والانشغال به يميت قلب المؤمن ويسلكه في عداد اللاّهين الغافلين فلا يقوى على تحمّل أمانة التّكليف، وقد جعل الله من كمال نعيم أهل الجنة أنهم: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَاثِيمًا، اِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا) (الواقعة:25 - 26). بينما هذه الدّنيا مشحونة بأنواع من اللّغو وفنون من الإغواء والإغراء أصبح النّاس مفتونين بها إلا قليلا من أولي الفضل والنّهى.

ج) - (وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}: الزّكاة هي بمعنى التّطهير، وبمعنى النّماء، وكثيرا ما تأتي الزّكاة في القرآن قرينة بالصّلاة لما في كليهما من معنى الطّهر والتّزكية، فالزّكاة طهارة للنّفس من الشّح، وطهارة للمال من كل شبهة، ويعبّر عنها في القرآن بـ"الإيتاء"، فما وجه التّعبير هنا بـ (فَاعِلُونَ}؟.

ينقل الشّيخ أبو زهرة في تفسيره "زهرة التّفاسير" عن الزّمخشري قوله: "قال في هذا لمن يعطِي، ومعنى من المعاني ينسب للمعطي على أنه فعلها، فهو قد فعل الأمر المعنويّ، وهو أنه أخرج الزّكاة راضيا بالعطاء". ويعلق الشّيخ أبو زهرة بقوله: "ونقول إنه يرشح لهذا المعنى أن الآيات كلّها تتجه إلى النّواحي المعنوية، لا إلى مجرّد النّواحي الحسية"(1).

(1) 1 - محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير: 10/ 5046.

٣٬٥٥١ / ٦٬٧٦٧