نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المؤمنون

الجزء ١١ · صفحة ٢١٧

بعد أن رسم الله طريق المفلحين الفائزين وما ينتظرهم من الجزاء في عليين، أعقبه هنا ببيان دلائل قدرته في الأنفس والآفاق للتذكير بعظيم منّته على هذا الإنسان، حتى يضطلع بمهمته التّكليفية، وهو تعالى يستعرض له مراحل حياته التي لا تنتهي بالحياة الأولى، كما يعتقد الكافرون بل هناك حياة ثانية للحساب والجزاء فقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}.

لقد بسطنا القول في تفسير سورة الحجّ عند قوله تعالى: (فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ) (الحجّ:5). وبيّنا هناك كيف اختلفت تعابير القرآن في أصل الخلقة، ما بين تراب وطين، وصلصال من حمإ مسنون وفخّار. وبيّنا أن لا تناقض في تلك التّعابير، بل هي بيان لأوضاع الطّين المختلفة. وهنا يضيف تعالى لفظ: (سُلاَلَة}، وتعني خلاصة الشيء، وتطلق مدحا على أجود الأشياء، فيقال: هذا الشّخص من سلالة بني فلان، وهي تعني هنا خلاصة العناصر الأساسية الممزوجة بتراب الأرض والذي حدّدها التّحليل العلمي، فبلغ بها ستة عشر عنصرا. والإنسان في الآية الكريمة على اعتبار أصله الأول وهو آدم عليه السلام، أو على اعتبار نسله في أصلاب الرّجال وأرحام النّساء، وكلّهم يتغذون مما يفرزه الطّين من النّبات والحيوان.

(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا -اخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}:

٣٬٥٥٧ / ٦٬٧٦٧