نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المؤمنون

الجزء ١١ · صفحة ٢١٨

تفصيل مراحل تخلّق الجنين في بطن أمّه بهذا التّرتيب العجيب لم يهتد إليه علم الأجنة إلا مؤخرا، وهذه الآيات تعدّ من الإعجاز العلميّ في القرآن، فيها مزيد من التّفصيل عما ورد في سورة الحجّ وغيرها في نفس الموضوع. ونلاحظ في بيان أطوار الخلقة التّعبير: بِـ (جَعَلْنَا) تارة وبِـ (خَلَقْنَا) تارة أخرى. وكلاهما بنون العظمة المناسبة لهذا المقام. إذ يلاحظ في معنى الخلق التّحويل من طور إلى طور. وذلك يقتضي إيجاد بعض الصّفات الأخرى الزّائدة عمّا كان في الطّور الذي قبله، كما يلاحظ العطف بِـ (ثُمَّ}، حيث يتطلب الطّور بعضا من الوقت كطور النّطفة، وهي أمشاج من الحيوان المنويّ وبويضة المرأة الملقحة، وإذا كان الطّور لا يتطلّب وقتا طويلا يكون العطف بـ"الفاء" كمرحلة العلقة إلى كسو العظام باللّحم.

وقوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا -اخَرَ}، وهي مرحلة نفخ الرّوح في الجنين لتكون له حركة وإحساس وشخصية مستقلة.

وقد استدلّ العلماء من هذه الآية بأن خلقة الإنسان تتميّز عن خلقة الحيوان ردّا على النّظرية الدّاروينية التي ترجع أصل الإنسان إلى القرد تطبيقا لقاعدة النّشوء والارتقاء؛ ذلك بأن الله تعالى أكرم هذا الإنسان بما أودع فيه من القدرات وسخّر له من الإمكانيات ليكون خليفة الله في الأرض فهو وإن شابه الحيوان في مراحل خلقته الأولى، فهناك حدّ ينتهي إليه الحيوان، فيقدر الله هذا الإنسان على تخطّي تلك المرحلة الحيوانية إلى التّكريم الإنساني بما منّ الله عليه من أفضاله ونعمه، وذلك هو معنى التّنصيص على الآخَرية في قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا -اخَرَ}، ولذلك أعقبه بالثّناء على ذاته العلية بوصف حسن الخالقية فقال: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

٣٬٥٥٨ / ٦٬٧٦٧