سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٢٣(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَم بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الاَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِم بِهِ لَقَادِرُونَ، فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ، وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سِينَآءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلاَكِلِينَ}:
وبمناسبة ذكر خلق السّماوات امتن الله علينا بما أودع لنا فيها من أرزاق، إذ ينزل منها الماء على الأرض على مقدار ما ينفع المخلوقات في الكمية والكيفية نعمة لا نقمة، ثم إنّه تعالى يوفّر له مستقرّا في باطن الأرض ليستخرجه الإنسان بوسائله الخاصة أو ليتفجّر ينابيع تجري بها الأنهار تقوم عليها مختلف الحضارات البشرية، ولا شكّ أنّ تلك الخزانات الطّبيعية في أعماق الأرض هي من تدبير العزيز الحكيم لا قدرة للإنسان في بناء مثيلاتها على وجه الأرض مهما تكن ضخامة السّدود. ولذلك نفى الحقّ تعالى أيّة قدرة لنا في إمساكها لو قدّر الله إذهابها في أغوار الأرض. كما قال تعالى في سورة الملك: (قُلَ اَرَآيْتُمُ إِنَ اَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَّاتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍ} (30). كما تقدّم قوله تعالى في سورة الحجر: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (22). ومن بديع النّظم الفنيّ في القرآن هذا الرّبط بين ذكر مستقرّ النّطفة في رحم المرأة لخلقة الإنسان، وذكر مستقرّ المياه في جوف الأرض لضمان رزقه، فكلاهما مجال لفضل الله ومنته، إذ بالماء تنشأ الحياة على الأرض من نبات وحيوان، وهما العنصران الأساسيان لغذاء الإنسان، وخصّص بالذّكر من أنواع النّبات: النّخيل والأعناب والزّيتون. لما لهذه الأشجار الثّلاثة من الخصوصية في حياة المخاطبين؛ ولأنها تجمع بين القوت واللّذة، ولأنها متعددة الطّعوم بين رطب ويابس.