نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المؤمنون

الجزء ١١ · صفحة ٢٢٢

اقترن خلق الإنسان بخلق السّماوات والأرض، كما هو الشّأن في كثير من نصوص القرآن؛ لأن ذلك يرسم الإطار الزّماني والمكاني لحياة الإنسان، مما ينبغي أن يكونا له مجالا للتأمّل والتّدبّر لإدراك عظمة الخالق. وفي بيان مناسبة هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) يقول الإمام ابن عاشور: "هو للتنبيه على أن الذي خلق العالم العلويّ ما خلقه إلا لحكمة، وأن الحكيم لا يهمل ثواب الصّالحين على حسناتهم ولا جزاء السّيئين على سيئاتهم، وأنّ جعله تلك الطّرائق فوقنا بحيث نراها ليدلّنا على أنّ لها صلة بنا؛ لأن عالم الجزاء كائن فيها، ومخلوقاته مستقرة فيها"(1).

قلت: ويؤيّده قوله تعالى: (وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) (الذاريات:22 - 23). وطبيعة الإنسان في الغفلة تستدعي تأكيد الجملة بـ"قد" المقرونة باللاّم المشعرة بالقسم، والطّرائق أيّا كان المقصود منها في النّظام الفلكيّ، مما لا يزال مجالا واسعا للنظريات الفلكية، غير أنّ التّحديد بكونها سبعا طباقا قد أكّده القرآن في غير ما آية نؤمن بها، ونترك للعلم فرضياته في هذا المجال، غير أنّ نفي الغفلة عن ذاته العلية بعد ذكر تلك الحقيقة الوجودية المرتبطة بحياة الإنسان فيه امتنان بمدى لطفه على مخلوقاته، إن بالنّسبة للبشر إذ تظلّلهم تلك المخلوقات الضّخمة متماسكة منسجمة في مداراتها، يضبطون بسيرها شؤون حياتهم، وإن بالنّسبة إليها في نظامها وسيرها بحيث لا تصطدم ولا تزول، فكلمة: (الْخَلْقِ) شاملة لكلّ تلك المعاني.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 18/ 27.

٣٬٥٦٢ / ٦٬٧٦٧