سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٤٠أ) - (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً اَنُ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النّحل:36).
ب) - (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15).
وقد اطّرد التّكذيب لرسل الله في تلك الأمم، ولم تتخلف سنّة الله في استئصال المكذبين: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا}، أي توالى الهلاك عبر تلك الأزمنة حتى انمحت آثارهم، وصاروا مجرّد أحاديث للناس، إمّا للتّسلية والتّلهّي، أو للتّذكرة والاعتبار، كما مثّل الله لذلك بحضارة "سبأ" بعد انجرافها بسدّ "مأرب" فقال: (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} (سبأ:19).
(فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُومِنُونَ}: دعاء مثل سابقه، ونفي الإيمان هنا تنديد بالكفر الذي ينجرّ عن التّكذيب برسل الله، وفي ذلك تعريض بكفار قريش، والكفر ملة واحدة، وأصحابه مذمومون في كلّ أمّة، ولم يكن أهل الكتاب بمنجاة منه مع أنبيائهم ورسلهم، وإن كانوا يتطاولون على قريش.
قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِئَايَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، اِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ، فَقَالُواْ أَنُومِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ، فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ}: العطف بـ"ثم" للتراخي والبعد في الزّمان والمكان؛ لأنّ قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه هي معروفة بتفاصيلها لدى المخاطبين، وجاءت هنا مختصرة وفق ما يقتضيه السّياق من بيان دوافع التّعالي والاستكبار في التّكذيب برسل الله، فعلى الرّغم من الآيات الباهرات التي واجه بها موسى فرعون، والحجج الواضحة التي أدلى بها، لم يكفكف القوم من غلوائهم، بل ازدادوا علوّا واستكبارا مستندين إلى سببين: